هل الانسان الملتزم غير مهتم بهيئته ؟


السؤال
سؤالي هو: هل على الإنسان الملتزم أن يكون غير مهتم بهيئته؟ عذراً؛ فأنا أشهد نماذج على هذه الصورة من الفتيات الصالحات بإذن الله، ولا نزكي على الله أحداً. أليس من الخير أن نُظهر مدى اهتمام ديننا بالنظافة، وأنَّ الله تعالى جميل يحب الجمال، ويحب أن يرى نعمته على عبده؟ أم أنه دليل على زهدنا في هذه الدنيا؟ هل من اللائق ـ مثلاً ـ أن ألبس الجورب الأسود بين النساء؟


الجواب

ابتداء دعيني أجيب عن سؤالك وأقول:
قطعاً لا يجب على الإنسان أن يكون غير مهتم بهيئته!!
بل إن الأمر يصل أحياناً إلى درجة الكراهة..
فإننا جميعاً نؤمن بدين يأمرنا بأن نتوضأ خمس مرات، وأن لا يؤخر أحدنا غسله لأكثر من سبعة أيام، ولا يوجد دين مثل هذا الدين يأمر أتباعه بالتطيب بالطيب وكذلك بعد الغسل من الحيض وغيره....

بل إن نبي الأمة كان يلبس يوم الجمعة أحسن ثيابه وكان يتجمَّل للوفود فيلبس رداء أهدي إليه.. وكان يمشط شعره ويزينه.. ويحدونا في ذلك.. أنَّ الله جميل يحب الجمال..
ولكن.. ثمة شعرة هنا بين الإفراط والتفريط..

من الناس من يأخذ تلك النصوص فيسرف في ملابسه حتى إنَّ أحدهم يشتري حذاءً بألفين من الريالات!! ويخطئ في فهم نصوص التجمل، فيعتبر أنَّ الجمال في اتباع الموضات والتقليعات؛ لأنَّ ذلك هو منظاره الشخصي للجمال، فمن يحيد عن ذلك فهو غير مهتم بهيئته..

والنصف الثاني يسرف في فهم نصوص الزهد وترك الدنيا، فيلبس المرقع من الثياب والقديم منها ولا يهتم بهيئته ولا منظره أمام النَّاس، ولا يتجمَّل ولا يتزيَّن.. وهذا أيضاً خطأ.. فكلاهما في الأمور ذميم.

وهنا ـ أيتها الحبيبة ـ لا بد أن نضع ميزاناً نزن به الأمور.. من الذي يحدد أنَ هذا جميل وهذا قبيح؟ إنه قطعاً لن يكون رأيك الشخصي ولا رأيي الشخصي؛ لأن في ذلك ظلماً لآراء الآخرين.. ولذا وضع الشرع لنا شروطاً في لباس المرأة، مثل أن لا يكون ضيقاً ولا شفافاً ولا واصفاً لحجم العورة ولا نلبس ما عُرف الكفار بلبسه ولا نشابه الرجال في ملابسهم، ولم يحدد لنا شكلاً ولا لوناً.. فلماذا نحدد أنا وأنتِ الشكل الجميل والقبيح؟ فلو لبست أختنا تلك لباساً نظيفاً مستوفياً للشروط ليس بمرقع ولا معتق فما المشكلة إذأً؟ قد لا يكون جميلاً في نظرك، ولكنه قد يكون جميلاً في نظرها.

أيتها الحبيبة:
أفهم سؤالك.. ودعيني شخصياً أخبرك عن أناس أخذت منهم موقفاً في بدايات طريقي لنفس السبب الذي ذكرته، وكنت أتساءل نفس السؤال: لمَ يكونوا أناس تنقصهم المادة.. ولكن كنت أنظر إليهن على أنهن غير مهتمات بأشكالهن ولا بملابسهن.. كنت أعدّ ذلك فهماً خاطئاً للدين ونوعاً من أنواع الزهد والتصوف المذموم.. فلما عشت بينهن وسبرت أغوارهن وتفضلوا عليَّ لأتطفَّل على حياتهن.. وجدت أنَّهن شخصيات ازدحمت أوقاتهن حتى لم يبق لديهن وقت يتسع للتفكير في لبسهن غداً، أو ماذا ينقص دولاب ملابسهن.. محلقات في سماء الإيمان.. مشتغلات بأمور الدعوة ليل نهار.. حريصات على نظافة ملابسهن ولو عفا الزمان على أشكالها.

فعرفت حينها أنَّ القضية ليست في فكر زهد أو تصوف.. ولكن القضية فقط.. مسألة وقت..!

أعود فأقول: لا إفراط ولا تفريط..
وأعود فأقول أيضاً: إنَّ الله جميل يحبّ الجمال.. ولكن حين نأتي إلى الميزان الحقيقي الذي يزن فيه الأعمال، نجد أنَّ الله لا ينظر إلى صورنا ولا إلى أشكالنا، ولكن ينظر إلى قلوبنا وأعمالنا.. فربّ أشعث أغبر.. مدفوع بالأبواب.. لو أقسم على الله لأبرَّه..