Navigation
ما الهدف الاساسى من وجود البشر والارض؟
-
تحت قسم : الاستشارات » استشارات ثقافيةID #D50295718
ولماذا لم يجعل الله كل البشر مؤمنين؟ قال تعالى (ولوشاء ربك لآمن من فى الارض كلهم جميعا)اذن ما هى الحكمة؟ وماذا يحدث لو كان كل البشر مؤمنين ألن يكون ذلك افضل ؟
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ dandana حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد،،،
فإنه ليسرنا أن نرحب بك في موقعك إسلام ويب، فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك، وكم يسعدنا اتصالك بنا في أي وقت وفي أي موضوع، ونسأل الله العلي الأعلى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يثبتك على الحق، وأن يشرح صدرك للإيمان، وأن يزيدك علمًا وتقىً، وأن يرزقك الإيمان الصادق بكلامه وبكلام نبيه - صلى الله عليه وسلم – وأن يشرح صدرك لما يؤدي إلى اليقين الكامل وإلى حسن الظن به سبحانه وتعالى جل جلاله.
وبخصوص ما ورد برسالتك، فإن الله جل جلاله أخبرنا بقوله: {لا يُسئل عما يفعل وهم يُسئلون}، فلا ينبغي للمسلم أن يسأل عن أمور كتمها الله تبارك وتعالى عن البشرية لحكمة يعلمها جل جلاله، لأنه مما لا يخفى عليك أن الله تبارك وتعالى منزه عن كل نقص، فسبحانه وتعالى له الأسماء الحسنى وصفاته العلى، فكل ما يحدث في هذا الكون إنما يحدث بعلم وإرادة وقدرة وحكمة ورحمة وتدبير من الله جل وعلا، وأنه يستحيل أن يكون في خلق الله تبارك وتعالى شيئًا من النقص أو العيب، يقول جل وعلا: {قل انظروا ماذا في السموات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون}، ويقول أيضًا: {الذي خلق سبع سموات طباقًا ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئًا وهو حسير}، ويستحيل أن يكون هناك شيئًا لم يُخلق لحكمة أو غاية، ولذلك يقول مولانا للإنسانية جمعاء: {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثًا وأنكم إلينا لا تُرجعون}، ويقول أيضًا: {أيحسب الإنسان أن يُترك سُدى}.
إذن الله تبارك وتعالى خلقنا لحكمة، وخلق السموات والأرض لحكمة، وخلق الملائكة لحكمة، وكل شيء مخلوق لحكمة، كما قال سبحانه جل وعلا: {إنا كل شيء خلقناه بقدر}، وقال سبحانه وتعالى: {وخلق كل شيء فقدره تقديرًا}، وقال تعالى: {وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار}، وقال تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا لعبدونِ * ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يُطعمونِ * إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين}.
هذه الحكمة قد تكون ظاهرة في بعض النصوص، بمعنى أن الله يُبين الحكمة من خلقه ومن فعله ومن شرعه في بعض المواطن، وفي مواطن أخرى لا يبين الله تبارك وتعالى لنا الحكمة والغاية أو الهدف، وذلك حتى يؤمن العباد بالغيب والشهادة معًا، فإن الحكمة إذا كانت بادية ومعقولة فإن العقلاء سيقبلونها بلا نزاع وبلا شك ولا ريب، أما إذا لم تكن الحكمة ظاهرة فإن الناس يعكفون أمامها على واحد من اثنين:
المؤمن الصادق سيسلم تسليمًا ويقول هذا قضاء الله وتلك إرادة الله والله - تبارك وتعالى – على كل شيء قدير وبكل شيء عليم، وسيلتزم أمر الله حتى وإن لم يعرف سبب وراء هذا التكليف، وذلك على سبيل المثال كجعل الصلوات خمسة، لماذا جعل الله الصلوات خمس ولم تكن ستة أو سبعة أو ثلاثة، لماذا جعل الله صلاة الفجر جهرية، لماذا جعل الله بعض الصلاة سرية وبعضها جهرية، هذه عبادة وأمور لا يمكن لأحد أن يعرف السبب أو الدافع أو العلة من ذلك كله.
كذلك أيضًا أنت تعلمين أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يحب التيامن في شأنه كله، وأخبرنا بأن الله يحب ذلك، ولكن لو نظرت إلى الطواف حول البيت (الكعبة) لوجدت أن الطواف يكون باليسار، لماذا باليسار وليس باليمين؟ هذه لا يمكن لأحد أن يبين لنا العلة، وإن كان العلم الحديث الآن بدأ يثبت أن الدوران لجهة اليسار له آثار على النفس وله توافق مع الكواكب السيارة في السماء، إلا أن الله تعالى لم يصرح لنا ما الحكمة من ذلك ولا نبيه صلى الله عليه وسلم.
كذلك رمي الجمار، والوقوف بعرفة، والمبيت بمزدلفة، هذه أشياء كثيرة جدًّا من التكاليف الشرعية سكت الله تبارك وتعالى عنها ابتلاءً وامتحانًا واختبارًا لعباده، فمن سلم تسليمًا وخضع لمراد الله وأحسن الظن بالله فهو من المؤمنين حقًّا، الثابتين على الإيمان، الذين يدخلون الجنة مع الداخلين.
أما من تشكك وبدأ يبحث عن العلل فيُخشى عليه سوء الخاتمة، لأن هناك أمور لم يتحدث عنها مولانا، فإذا كنتُ أنا أقول إني لا أؤمن إلا ما يوافق عقلي، فهناك أمور كثيرة جدًّا في شرع الله لا يقبلها العقل، وبهذه الطريقة سأجعل عقلي حاكمًا على القرآن، وأجعل عقلي حاكمًا على تصرفات الله، وهذا من أول أسباب الزيغ والضلال والعياذ بالله رب العالمين.
أما المؤمن الصادق فهو الذي يسلم ويقول (ما دام الله قد خلق هذا على هذه الصفة فهذا هو مراد الله وأنا راضٍ بمراد الله تعالى وقضائه سبحانه).
كذلك أيضًا: لِمَ لم يجعل الله كل البشر مؤمنين؟ أقول: قال الله تعالى: {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض جميعًا}، ولذلك الله تبارك وتعالى خلق جنة ونارًا، كيف يدخل الناس الجنة جميعًا دون أن يعملوا شيئًا، وكيف يدخل الناس النار جميعًا دون أن يعملوا شيئًا، فجعل الله تبارك وتعالى الجنة دارًا للثواب وجعل النار دارًا لعقابه.
ثم أقول كذلك أيضًا: لماذا كليات الطب عندكم تأخذ أعلى مجموع؟ لو أنها لا تأخذ أعلى مجموع كان من الممكن أن يدخل الناس كلية الطب حتى أنك لن تجدي لك مكانًا، عندما يدخل كل طلبة مصر كلية الطب أنت بنفسك ستنزعجين، لأنه أصبح هناك نوع من التساوي ما بين المحسن وبين المسيء والجاد والهازل، ولكن عندما جُعلت هناك شروط معينة ولا بد من حصول على درجات معينة أصبحت الكلية أهلاً لأن يدخلها عدد قليل من الناس وهم المتميزون. كذلك الجنة نفس الشيء.
فلو جعل الله الناس جميعًا مؤمنين إذن لانتفت الحكمة من خلق الجنة والنار، لماذا الله خلق الجنة إذن والناس جميعًا سيدخلونها، ولماذا خلق الله النار إذن؟ ولذلك ستقولين: خلق الله الجنة ليكافئ بها عباده المؤمنين، وخلق الله النار ليعاقب بها عباده المؤمنين العصاة فترة من الزمن ثم يخرجون إلى الجنة، أما الكفار الذين كفروا به وأنكروا وجوده أو ادعوا أنه معه آلهة أخرى لابد أن يعاقبوا على جريمتهم.
وعمومًا فإني أقول إن هذه الأمور التي ذكرتها كلها من باب الغيبيات الإيمانية التي ينبغي علينا أن نؤمن بها كما جاءت في كلام الله على مراد الله وعلى مراد رسوله صلى الله عليه وسلم، لا نفتح هذا الباب على مصراعيه أمام عقولنا، لأننا لو حكمنا عقولنا في الشرع لابتعدنا كثيرًا عن مراد الله تبارك وتعالى، لأن العقل مخلوق لا يمكن أن يحكم على الخالق الذي خلقه سبحانه وتعالى جل جلاله، ولا يمكن أيضًا أن يسأل الله تبارك وتعالى سؤالاً كسؤال المنكر أو سؤالاً كسؤال المتحير أو سؤالاً كسؤال الرافض لهذا الكلام أو الغير مقر له، وهذا كله يجعل العبد أقر بما يكون والعياذ بالله من الزيغ والضلال.
فنحن نسلم تسليمًا لمراد الله، ونعلم أن الله تبارك تعالى منزه عن كل عيب، وأن كل شيء من هذه الأشياء التي ذكرتها إنما خلقه الله لحكمة، وعمَّا قريب بإذن الله تعالى في الآخرة سوف تعرفين هذه الحكم كلها، أما في الدنيا فهذا نوع من الابتلاء والامتحان والاختبار، كما فرض الله الصلوات كما ذكرت بهذه الآلية المعينة التي لا يمكن لأحد أبدًا أن يبين لك فيها تعليلاً معينًا: لماذا هذه ثلاث ولماذا هذه أربعة ولماذا الصبح ركعتان؟ لا يمكن لأحد على وجه الأرض مطلقًا أن يقول لك إن الحكمة من هذا هو كذا، لأن الله سكت، وسكت نبيه صلى الله عليه وسلم عن بيان هذه الحكمة اختبارًا وامتحانًا وابتلاءً.
وأسألك أن تُكثري أيضًا من الدعاء (اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك)، اجتهدي في ذلك أيضًا، واجتهدي في دعاء الله (اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئًا وأنا أعلم وأستغفرك لما لا أعلم) فإن هذا بإذن الله تعالى سيكون من أسباب ثباتك على الحق، وخروجك من هذه الحياة الدنيا وأنت على خير، لأن هذه الأمور لو فتحنا أبوابها مع قلة العلم الشرعي فإنها ستؤدي إلى نوع من الشك في الله تبارك وتعالى والشك في الدين وبالتالي ستؤدي إلى نوع من الانتكاسة الإيمانية والبُعد عن التكاليف الشرعية وسيترتب على ذلك كله ما لا تُحمد عاقبته، كما لا يخفى عليك.
أسأل الله أن يهدينا وإياك صراطه المستقيم، وأن يثبتنا على الحق، وألا يضلنا بعد إذ هدانا، وأن يتوفانا مسلمين ويلحقنا بالصالحين، إنه جواد كريم.
وبالله التوفيق.
