احترت في الزواج


السؤال
بسم الله الرحمن الرحيم.

سأبدأ بقصتي، أنا يا شيخنا شاب بالعشرين من عمري، كنت أدرس بالجامعة ببلدي، لكني كنت مغترب، فكنت أعتمد على المنتدى لمعرفة أخبار الجامعة، وتعرفت على بنت من المنتدى ساعدتني وساعدتها، هي مغتربة مثلي.

بعد فترة قطعت أخباري عنها لأن الوالد توفي بحادث سيارة، ومرت فترة طويلة وأنا لا أعرف شيئا عنها وهي لا تعرف عني شيئا، ثم أرسلت لها رسالة على الإيميل أخبرها أن الوالد قد توفي، بعد فترة عدنا نتكلم مع بعض، أحسست أني معجب بها وهي بادلتني نفس الشعور!

أحببتها واتفقنا أن نرى بعضا عندما أنزل لبلدي ووعدتها أني سأرتبط بها إذا رأيتها وأعجبتني، وفعلا رأيتها وأعجبتني، وعندما بدأت ألمح للوالدة تفاجأت بها تقول لي أنني أنا وأخي زواجتنا بانتظارنا ...

قلت لها كيف؟ قالت لي والدك قبل أن يتوفى كان معجب بعائلة، وقال لي أنه سيزوجك وأخوك من بنات هذه العائلة في المستقبل، والعائلة كما فهمت منها لها نسب للرسول صلى الله عليه وسلم.

وعندما واجهتها بموضوع أنني أحب فتاة وأريدها لم توافق، بل وهددتني أنها ستغضب علي إن لم أنفذ!

وصية الوالد، وأنا الآن واقع بين نارين ـ نار أهلي وأمي ونار قلبي الذي مع تلك الفتاة ـ.

أخاف إن أطعت أمي أن أظلم معي هذه الفتاة التي أوصاني بها الوالد لأن قلبي ليس لها، وأخاف أني سأظلم الفتاة التي وعدتها بالزواج، فماذا تقترح علي ماذا أفعل؟

أريد حلا يريح قلبي، لأن هذه القصة تشغل بالي وتشغل تفكيري،
هل أنفذ وصية الوالد أو هل يعتبر ما قاله وصية؟

أم أبقى على موقفي كي لا أظلم مرتين؟ ـ مرة عندما وعدت الفتاة بأني سأرتبط بها، ومرة عندما سأرتبط بفتاة قلبي ليس لها ـ.

ولك مني جزيل الشكر والاحترام.
























الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ حازم حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد،،،

فإنه ليسرنا أن نرحب بك في موقعك إسلام ويب، وكم يسعدنا اتصالك بنا في أي وقت وفي أي موضوع، فنحن هنا إخوانك في الموقع نسعد كثيرًا للتواصل بيننا وبين إخواننا وأخواتنا من المسلمين والمسلمات في أي زمان وفي أي مكان، فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك، ونسأل الله العلي الأعلى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يفرج كربتك، وأن يقضي حاجتك، وأن يصلح لك الحال، وأن يشرح صدرك للذي هو خير، وأن يوفقك لبر والديك وإكرامهما والإحسان إليهما، وأن يمنَّ عليك بزوجة صالحة طيبة مباركة تكون عونًا لك على طاعته ورضاه.

وبخصوص ما ورد برسالتك، فإن من الأمور التي ينبغي أن تعلمها أن إقامة علاقات مع الفتيات بدون ضوابط شرعية محرم شرعًا، وهذه الأخت التي تعرفت عليها في المنتدى مما لا شك فيه أن هذه الوسيلة لم تكن وسيلة مشروعة، ولذلك ترتب عليه شؤم هذه المعصية، لأن هذه الوسيلة لو كانت مشروعة وكانت الأمور تأتي بالطريقة التي بيَّنها الإسلام في تواصل الرجل مع المرأة فإن الأمر كان سيكون على خلاف ذلك، فإن العلاقة بينكما كانت قائمة على المساعدات الخاصة والعامة وقد يكون حدث بينكما أشياء مما تغضب الله، وإعجاب من الطرفين بعضكما بالآخر، وأيضًا كونها تقابلك وتقابلها وتتكلم معها وتتكلم معك وتجلس معها وتجلس معك، هذه كلها عبارة عن طريقة مشبوهة، وهذه الطريقة التي سلكتها وسلكتها هذه الأخت معك لعلها ألقت بظلالها على هذا الأمر وهو أمر رفض والدتك الزواج منها؛ لأن الله شرع سبيلاً في الارتباط، وأنتما بلا شك قد خالفتما هذا السبيل نتيجة هذه العلاقة الغير منضبطة بضوابط الشرع.

والدك رحمه الله كان يرغب في أن يزوجك، وهذه الرغبة ليست وصية، بمعنى أني أقول إن خالفتها لا أكون قد خالفت شرع الله تعالى، خاصة وأن قضية الزواج في الإسلام قضية شخصية، يعني قضية تُهم الطرف الذي سوف يتزوج، تدخل الأب والأم تدخل ثانوي أو تدخل مساعد، ولكن نحن في البيئات العربية – مع الأسف الشديد – أحيانًا نقدم رغبة الأب والأم على رغبة الشخص، مما يترتب عليه أيضًا زواج غير متكافئ أو غير طبيعي.

ومن هنا عليك أن تحاول وأن تجتهد في إقناع والدتك، تُبيّن لها بأن هذه الفتاة التي رشحوها لك أنت لا تعرف عنها شيئًا، وأن هذه الأخت التي تعرفت عليها – إذا كانت فيها الضوابط الشرعية – فالنبي عليه الصلاة والسلام وضع ضوابط للمرأة التي يتزوجها الرجل المسلم، فقال صلى الله عليه وسلم: (تُنكح المرأة لأربع: لمالها ولجمالها ولحسبها ودينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك)، وأنا لا أعتقد أنها صاحبة دين بالمعنى، إذ أنها جاءتك لتتعرف عليك، إلا اللهم الذي دفعها إنما هو الحب والعشق والعواطف والمشاعر.

فهذه الأخت قد تكون أخطأت معك بمعنى أنها ضعفت أمام عاطفتها وجاءتك – وإن كنت أنا أستبعد ذلك – لأني أعلم أن الأخت صاحبة الدين لا تفعل ذلك أصلاً، ولا تتعرف على شخص بهذه الصفة، بل حتى وإن حدث تعرفًا فهي تنتظر أن يأتي إلى بيت أهلها ليخطبها منهم، أو أن يراها رؤيا عابرة، أما أن تذهب إليه وأن يلتقيا، فهذا يدل على أنها ضعيفة الإيمان، حتى وإن كانت فيها شيء من الدين.

فابدأ أولاً بمحاولة محاورة والدتك ومحاولة إقناعها إذا كانت الأخت هذه التي تعرفها تستحق هذه التضحية، لأنه قد تكون أنت تحبها ولكنها لا تصلح زوجة لك، فكم من الناس قد يتعلق بامرأة لشيء فيها ولكن يتنازل عن قضية الدين فيدفع الثمن غاليًا، ولذلك عليك أن تعمل مقارنة ما بين الفتاتين: ضع المشكلة بين يدي والدتك، قل لها (الآن هذه فتاة وهذه الفتاة التي رشحتموها، وأنا سأقبل بأحسنهما، دينًا وتقوى وورعا واستقامة) ودع الأمر لأمك، يعني بدلاً من أن تفرض على أمك رغبتك أو أن تخالف أمرها في عدم استجابتك لرغبتها أيًَا أو رغبة والدك – رحمه الله – قل لها (أنا الآن في مشكلة أريدك أن تحلي لي هذه المشكلة، هذه الفتاة وهذه مواصفاتها واحد اثنين ثلاثة أربعة خمسة) ومن الممكن أن تراها أمك، (وهذه الفتاة التي رشحتموها نفس النظام)، وتعقدا مقارنة بينهما، فإن وجدت أكثرهما دينًا واستقامة فتزوج على بركة الله تعالى.

إن كانت الأخت التي شرحها والدك صاحبة دين واستقامة فأقول لك دعك من هذه الأخت التي تعرفت عليها وتزوج بمن رشحها لك والداك إذا كانت صاحبة دين وخلق واستقامة، لأنها كونها من نسب النبي محمد عليه الصلاة والسلام لا يلزم منه أن تكون صالحة، فكم من المجرمين الآن يدعون أنهم من نسب النبي عليه الصلاة والسلام – والنبي نفسه - عليه الصلاة والسلام – قال: (ومن بطأ به عمله لم يلحق به نسبه) يعني العبرة بالعمل وليست بالأنساب، لأن هذه الأنساب الآن قضية فيها الكثير من الكذب والادعاء، ولكننا نقول: هناك شروط وضعها الإسلام ونص عليه النبي نفسه عليه الصلاة والسلام عندما وضع شروطًا في المرأة ووضع شروطًا في الرجل، فنحن نلتزم بهذه الشروط بصرف النظر عن النسب أو غيره؛ لأن هذه الأمور قد تكون الآن ليست بذي بال في حياة الناس.

فقل لها (يا أمي الآن هذه الفتاة أرشحها وهذه الفتاة التي رشحتموها، دعينا نتكلم عن الشرع، إذا كانت أيًّا منهما أكثر دينًا وصلاحًا واستقامة فأنا أقبلها) فإذا كانت هذه الأخت التي رشحها والدك أكثر صلاحًا ودينًا واستقامة فلا مانع من أن تتزوجها، وبذلك تكون قد أرضيت ربك وأرضيت والديك في نفس الوقت.

أما إذا كانت أقل صلاحًا واستقامة من هذه الفتاة التي تعرفت عليها فقل لها (إذن أنا شرعًا مطالب الآن أن أظفر بذات الدين كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، وأريدك أن تسامحيني في هذا الاختيار) وتجتهد في إرضائها بارك الله فيك.

إن أصرت والدتك على موقفها – وأنا أعتقد أنها لن تصر – لأنك بذلك قد وضعتها في منعطف صعب وفي موقف خطير، إما أن تقبل بالأولى أو بالثانية، قل لها (أنا أترك الاختيار لك، بشرط أن تبحثي عن المقارنة بينهما، فإن وجدت أيهما أفضل أنا أقبلها)، وبذلك تكون منصفًا عادلاً، في هذه الحالة تركت الاختيار لأمك، وأمك هي التي تختار بنفسها وُفق الضوابط الشرعية التي بيَّنها النبي عليه الصلاة والسلام. تُوضح كل واحدة منهما على كفة الميزان ونزن الأولى بميزان العقل والشرع، ونزن الثانية بميزان العقل والشرع، فإذا ما ترجح الشرع مع أي جهة فأنت تقبل، وبذلك تكون قد حللت المشكلة، ولا أعتقد أنه ستكون هناك مشكلة بإذن الله تعالى.

أما كونك أنك تعلقت بهذه الأخت فلا يلزم أن كل امرأة تتعلق بها تتزوجها، لأن كثير ممن يتعلقون بأناس آخرين لم يشأ الله أن تكون زوجة له، وهذا وارد في مراحل الجامعة وغيرها تجد أن الكثير من الشباب يتعلقون بزميلات لهم في الدراسة تعلقا شديدا وقد يحدث بينهما كثير من التجاوزات، وما أن تنتهي مرحلة الدراسة إلا وأن يذهب كل واحد منهما لحال سبيله ولا يعرف عن الآخر شيئًا.

فإذن هذا الحب ليس هو الأصل في الاختيار، وإنما الأصل في الاختيار (الخلق والدين)، الخلق والدين أساسًا، لأنك لا تحتاج في كل لحظة إلى أن تأكل بالحب وتشرب بالحب، أنت تحتاج إلى امرأة عندها خلق تُحسن معاملتك، وتحتاج لامرأة تتقي الله فيك، أما الحب هذا يأتي بالزواج وبعد الزواج، وبحسن العشرة، قد تحدث بينك وبين الأخت محبة عظيمة نتيجة ذلك، الحب وحده لا يكفي لإقامة الحياة الزوجية السعيدة، وهذا الذي أريده أن أقوله لك، لا يكفي الحب لإقامة حياة زوجية سعيدة، وإنما هو أحد أسباب السعادة، ولكن هناك العقل وهناك الدين وهناك الخلق، هناك النسب، هناك أمور كثيرة، خاصة وأن قضية الزواج ليست ارتباط شخص بشخص فقط، وإنما ارتباط مجتمع بمجتمع، نسأل الله لك التوفيق والسداد، والهداية والرشاد، وأن يوفقك لكل خير، وأن يرزقك بالزوجة الصالحة الطيبة المباركة التي تكون عونًا لك على طاعته ورضاه.

وبالله التوفيق.