Navigation
لماذا أحب نفسي وأكره الخير للآخرين؟
-
تحت قسم : الاستشارات » مشاكل الشبابID #D50294316
والغريب في ذلك أني أحب جدا مساعدة الناس ولدي استعداد أن القي هذه المحاضرة على الجميع بعد أن أخذتها وبذلك أرفع من قدري وهم يستفيدون ولكن أحس أن هاتفا بداخلي يقول بأني سوف أكون لي الفضل في تعليمهم ولن أعيرهم بالطبع ولكني أسعد بكوني متفوقا على الآخرين ولي الفضل في تعليمهم مثلا.
وفي دراستي في الجامعة أحب جدا أن أشرح لزملائي وأساعدهم وأحب أن يسألوني وأجاوبهم، ربما كان هذا نوعا من إثبات الذات والبحث عن التقدير فهل هذا خطأ؟
أسأل نفسي لماذا لا أتمنى للغير الخير كما أتمناه لنفسي ولا أحب أن يتفوق أحد علي، فزميلي في الوظيفة إن تقدم لها لم لا أدعو له بأن يتم قبوله فيها؟ ولا أعلم لماذا ينتابني شعور أن والدي لم يربياني على ذلك من الصغر، أعلم أن هذا ليس حجة وهم يفعلون ما يستطيعون، فأحب الخير لنفسي ولا أكره وجوده في الآخرين بالطبع، ولكني لا أتمناه لهم.
لا أعلم لماذا أحس أني لست شخصية صافية القلب وأشكر الله على كل شيء وأنني إن كنت كذلك سيئا فإني لا أضر الآخرين (ولا أتمنى لهم نفعا) ولكن لا أكره وجودهم في أحسن وأفضل حال ولا أكترث إن كان هناك من هو أفضل مني فهذا جزاء عمله بالطبع وتوفيق الله له، ما هذا الذي يصيبني وما الحل؟ والسلام عليكم ورحمة الله.
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ محمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد،،،
فإنه ليسرنا أن نرحب بك مرة أخرى في موقعك إسلام ويب، فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك، وكم يسعدنا اتصالك بنا في أي وقت وفي أي موضوع، ونسأل الله العلي الأعلى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يثبتك على الحق، وأن يهديك صراطه المستقيم، وأن يشرح صدرك للذي هو خير، وأن يجعلك من الذين يحبون الخير للناس جميعًا كما يحبونه لأنفسهم.
وبخصوص ما ورد برسالتك، فإن الذي شكوت منه إنما هو ثمرة طبيعية لتربية غير طبيعية، فإن الإنسان منا كما تعلم يحمل صفات وراثية من أسرته، ويحمل صفاتٍ سلوكية من تربية أسرته له، فقد ينشأ الإنسان مثلاً كريمًا لأن أباه كان كريمًا، وقد ينشأ الإنسان حليمًا لأن أباه كان حليمًا، وقد ينشأ الإنسان عصبيًا لأن أباه كان عصبيًا، وهذه الأمور لا دخل له فيها لأنها هي قدرة الله وهذه قسمته له في رزقه الأخلاقي.
أما مسألة أنماط السلوك فإننا نكتسبها من البيئة، والأسرة هي المدرسة الأولى في التربية، وهي أهم مدرسة على الإطلاق، لأننا نتشكل فيها التشكل الكامل في داخل هذه الأسرة في معظم أسس التعامل مع الخلق، وهذا ما قاله النبي عليه الصلاة والسلام: (ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)، فإذا ما نشأ الإنسان في أسرة متحابة متعاطفة متعاونة فإن هذه تصبح سمة من سماته وصفة من سماته وسلوك من سلوكياته العادية، لا يجد أدنى مشكلة في التعامل مع الناس بهذا المستوى الأخلاقي، أما إذا نشأ في أسرة ممزقة مشتتة تسودها الأنانية وحُب الذات والأثرة، فإنه سيحمل تلك الموروثات ولا بد، وإني لأحمد الله تعالى أنك استطعت أن تكتشف نفسك، فإن تحديد المشكلة جزء مهم جدًّا في حلها.
أحيانًا الإنسان منا لا يشعر أنه في مشكلة وأنه غير طبيعي، ولذلك يظل يسير فيما هو فيه دون أن ينتبه لما يُحدثه من آلام وجراحات للآخرين، أما إذا فتح الله تبارك وتعالى عليه فإنه يُبصره بعيبه ويجعل لديه الاستعداد لإصلاحه، ولذلك أنا أعتبر أن كلامك هذا خطوة إيجابية في طريق الحل.
أنت تعاني فعلاً وتشعر بأن هذا غير طبيعي، وأنك إنسان لست طبيعيًا، فأنت لا تحب الخير للناس بالمعنى الكامل، وهذا يُعرف في الإسلام بالحسد، والحسد هو تمني زوال نعمة الغير، اسمح لي عفوًا أن أفصل بين نوعي الحسد:
هناك حسد بمعنى أني لا أحب أن يكون غيري أفضل مني، وهذا أمر طبيعي في كل الناس، ولكن مجرد شعور داخلي لا يترتب عليه أي سلوك ظاهري، يعني أنا لا أتكلم ولا أشكو القلب بهذا الكلام ولا أسلك أي مسلك لتحقيق تميزي على غيري، وعندما أتمنى أن أكون أفضل، وأتمنى أن أكون الأحسن، ولكن لا أفكر أبدًا في أن يكون الناس أقل مني، ولا أجعل هذا هدفًا من أهدافي، ولا أفكر مطلقًا أن أكون فوقهم، أبدًا، وإنما أنا أحب أن أكون متميزًا ولكن لا يضرني إذا كان الناس متميزين، أحب أن أكون متقدمًا ولكن لا يعنيني أن يكون الناس متقدمين، لا أحزن لذلك، وإنما أرى أن هذا أمر عادي، أنا آخذ بالأسباب الممكنة بالنسبة لي، ولكن إذا تقدم غيري فلا حرج.
إذن الحسد منه ما هو طبيعي ومنه ما هو مذموم، الحسد الطبيعي أني أتمنى أن أكون أفضل الناس، هذا حسد طبيعي، أما الحسد المذموم أنني أتمنى أن أكون أفضل الناس وأكره أن يكون هناك أحد أفضل مني، أكره ذلك، ولا أحبه، وإن علمتُ ذلك فإني أتمنى زوال نعمته، وأتمنى ألا يوفق، وأتمنى ألا يتقدم كما أتقدم، وكما ذكرتَ إذا تقدمت لوظيفة تمنيت أن تلتحق بها وليس صديقك، وتتمنى لصديقك أحيانًا أن يتأخر عن الموعد حتى لا يحصل على هذه الوظيفة، هذه كلها مظاهر للسلوك المرضي الذي هو الحسد المخالف شرعًا، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: (إياكم والحسد فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب) والحسد هو تمني زوال نعمة الغير، أتمنى أن تزول النعمة عن كل أحد إلا أنا.
فإذن أنت في حاجة إلى إعادة تأهيل من جديد مرة أخرى، وإعادة التأهيل هذه لن يقوم بها أحد سوى محمد نفسه، وذلك أن تفعل عكس مراد نفسك، فأنت الآن طالما أن هناك وظيفة مُعلن عنها في الجرائد وتعلم أن هناك أحد أصدقائك لا يعلم عن هذا الخبر تتصل به وتخبره بذلك، وقس على ذلك كل التصرفات، تفعل عكس ما تريد نفسك، عندما تتاح لك الفرصة في حضور محاضرة علمية لا تتمنى أن تكون لك وحدك، بل تتصل بغيرك، إذن بذلك أنت تكسر الحاجز، وتفعل عكس مراد النفس، النفس تريد الأثرة والأنانية وأنا أحاول قدر استطاعتي أن أدفعها إلى أن تبذل.
هذا الكلام سيكون في أوله مرا وقاسيا، وستظل نفسك تصارعك صراع الأبطال لأنها لا تريد لأحد أن يتميز عليها، تريد أن تكون هي التي في القمة وتحت الأضواء وأن الناس يخضعون لها كما ذكرت أنت أن تتمنى أن تكون المحاضرة لك، ولا مانع لديك أن تلقيها للناس، لأن هذا يُشبع لديك رغبة في التميز، فإذن أنت تفعل عكس مراد نفسك، فكما ذكرت لك الآن في هذين المثالين قس على ذلك كل تصرف من تصرفاتك.
هناك أيضًا بعض الكتب التي أنصحك أن تقرأها حتى تعينك، يا ليتك تقرأ مثلاً في الكتب عن خطورة الحسد، وعن الآثار المترتبة عليه، لأن النبي عليه الصلاة والسلام كما ذكرت لك الآن قال: (إياكم والحسد فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب)، هذا واحد.
ثانيًا: أن الله تبارك وتعالى كما تعلم قال: {ومن شر حاسد إذا حسد}، فالناس يستعيذون بالله تبارك وتعالى من شر الحاسد كما يستعيذون من شر الساحر وكما يستعيذون بالله من شر الشيطان، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أنهم أصحاب قواسم مشتركة، وأنهم مصدر خطر لغيرهم، ولذلك نستعيذ منهم.
هناك كتاب (كيف تواجه تصرفاتك السلبية)، وهذا كتاب لدكتور عمر حسن بدران، إصدار الدار الذهبية، وهو موجود عندك متوفر في مصر، كذلك أيضًا كتاب يسمى (إدارة تغيير الذات.. كيف تغير ذاتك وأنماط سلوكك)، وهو أيضًا للدكتورة هيا السبعي من جامعة قطر.
هناك كتاب مهم أيضًا وهو كتاب بسيط لأخونا عبد الكريم عبد المنعم محمد الزياتي، وهو نشر مكتبة الخنجي بالقاهرة، بعنوان (أين السعادة)، هل السعادة في أن أكون وحيدًا في كل شيء، وأن أكون متميزًا ومتفوقًا على كل أحد، أم أن السعادة أن أكون محبًّا للخير لكل الناس كما أحبه لنفسي.
بهذا إن شاء الله تعالى أنك سوف تستطيع أن تتخلص من هذه الآفة خاصة السلوك الذي ذكرته، أن تفعل عكس ما تريد نفسك، مرة بعد مرة بعد مرة، ثم تدعو لكل أحد من إخوانك في كل مجال (اللهم وفقه، اللهم وسع رزقه، اللهم سدده)، وإذا علمت أنه عنده مقابلة تدعو له، وطبعًا هذا الكلام عكس مراد نفسك ولكن هو الحل، أنك تدعو له كما تدعو لنفسك، وتتمنى له الخير وتفرح، وإذا علمت أنه نجح تذهب وتهنئه، هذا الكلام ما الذي سيترتب عليه؟ يترتب عليه أنك تكسر نفسك، أنك تقضي على المرض الموجود في داخلك، أنك ستعود نفسك أن تحب الخير للناس؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (لا يؤمن أحدكم حتى يُحب لأخيه ما يُحب لنفسه)، وقال: (والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن. قيل: من يا رسول الله؟ قال: من بات شبعان وجاره جائع) وفي رواية (من لا يأمن جاره بوائقه)، يعني هؤلاء المؤذين، كأن النبي عليه الصلاة والسلام نفى عنهم كمال الإيمان.
فأنت تفعل عكس مراد نفسك، وأنا واثق أنك ستنجح بإذن الله، لأنك إنسان متميز، وأنا واثق أنك سوف تجتاز هذه المرحلة بالسلوكيات العملية وبالدعاء لهم بالتوفيق، وبتهنئتهم بالتميز حتى وإن تفوقوا عليك تذهب إليهم وتهنئهم على ذلك، بذلك إن شاء الله فترة معينة من الزمن وسوف تزول هذه الخصلة السيئة عنك، وتشعر بأنك إنسان طبيعي، وستشعر بسعادة ما بعدها سعادة بإذن الله، نسأل الله أن يوفقك في مساعيك، وأن يعافيك من هذه العلة فعلاً، وأن يجعلنا من الذين يحبون الخير للمسلمين كما يحبونه لأنفسهم، إنه جواد كريم.
وبالله التوفيق.
