استفسار عن مرض نفسى


السؤال
الحمد لله و الصلاة و السلام على الحبيب رسول الله، ذات يوم و أنا فى الصف الأول الثانوى حدث لى شئ فجأة أني لا أستطيع التركيز، و بالتالى لا أستطيع المذاكرة، أفكر دائما فى أشياء عقادية، حتى أنتقلت بى أنى أشعر أنى سأنتق بألفاظ كفرية دون شعور فأمسك نفسى عن قولها. فى نفس اللحظة أيضا كنت أرى ما أراه و -سأسميها الشاشة الواسعة- أن بينى و بين الصورة التى أراها حائل و أن هذا الحائل جعلنى مقيد فى نظرى و مشيي كأنى إنسان آلى، أنظر للأشياء أنها ليست مجسمة بل لو مددت يدى قد أخرق الشاشة فكنت أهرب من كل هذا بالنوم و إذا استيقظت كنت أعانى منها كثيرا، حتى جاء فى بالى كلمة إنتحار أقول لأخى أنا : ( أنا خايف أنتحر) لكنى لم أهم للإنتحار لأن بعد الإنتحار ليس شاشة واسعة لكن عذاب القبر و جهنم و بئس المصير. ظللت هكذا إلى الصف الثانى الثانوى و أنا لا أستطيع المذاكرة لذلك طلبت من أبى أن أذهب لطبيب عيون فذهبت و لكن العجيب أن الدكتور قال لى بأن نظرى جيد جدا حيث كان 56 التى هى أحسن من 66 فذهبت إلى طبيب نفسانى فلم يفهم قصدى و قال لى أنى ليس بى شئ و لكن كتب لى دواء (رسبردال) و ( أركاليون ) و ( ويلبوترين ) لكنى لم آخذهم لأنى كنت أظن أن الأدوية النفسية تضر الإنسان و تجعله مجنونا. انتقلت إلى أنى كنت أسأل عن أى شئ حركه أخى من مكانه لماذا حركته و أين كان قبل أن تحرك هذا الشئ.و كنت أسأل نفسى هل أنا حى أم ميت فربما نكون جميعا فى حلم كبير و لكنى كنت أرد هذا الإعتقاد لأنه يخالف العقيدة الإسلامية. و فى الصف الثالث الثانوى بدأت انتقل لشئ آخر أصبحت أتوهم أشياء ستحدث فى المستقبل ليس جزما و لكن إحتمالا، لأن جزما يخالف العقيدة الإسلامية، و وصل بى الحد أنى ظننت أني ولى من أولياء الله له كرامات...إلخ. كنت أبكى كثيرا و على أشياء لا تستدعى البكاء، كنت حين أذهب للمسجد لصلاة الجمعة أقول لأخوتى :أن الناس يعلمون كذا و كذا... و أن هذا ظاهر فى عيون الناس و هم لا يصدقوننى و يحسبون أنى غريب و غير طبيعى, و أصبحت حاد جدا فى معاملتى و شعر بذالك أخوتى و أنا لا آشعر أنى مريض. أقترحَتْ علىَّ أختى أن أذهب لدكتور نفسانى آخر على علم كبير و كان ذلك قبل الدخول لأولى جامعة و بالفعل ذهبت إلى الطبيب و دخلت و تكلمت معه ثم بكيت بكائا كثيرة لا أدرى لماذا ؟ كنت أشعر أنى أحمل هم كبير و أخرجت كل ما أكتمه فى كلامى. كتب لى الطبيب على أدوية و هم ( فيلوزاك) و (زيسبيرون ) ثم بعد فترة زاد على ( زاندول) ثم بعد سنة ألغى الـ ( زاندول ) و أضافى لى الـ ( أنافرونيل ) و استمر هذا العلاج إلى الآن لكنه زاد الـ ( أكينتون ) و بالفعل عولجت من جميع الأشياء إلا ( الشاشة الواسعة ). شعرت بعد الشفاء من كثير من هذه الأعراض أنى كنت فى عالم آخر و أنى لم أكن أنظر للحياة النظرة الحقيقية حتى أنى قلت لطبيبى لقد كنت مجنونا أول يوم ذهبت إليك. و أنا الآن سأدخل السنة الثالثة فى الجامعة. اريد أن أسأل ما هذا المرض العجيب الذى أصابنى و ما أسمه لأنى كلما أسألى طبيبى عن أسمه لا يريد أن يقول لى، أنا لا أعلم لماذا لا يريد أن يقول لى. و أيضا أريد أن أعرف ما العلاج لهذه الشاشة الواسعة فهى تتعبنى كثيرا. الطبيب يقول لى أنها شئ نفسى، و ستذهب بتلك الأدوية, و لكنها ما زالت موجودة، و لا يزال قلبى مضطرب ما العلاج، ما الحل؟ أضيف أنى مررت بأحوال قاسية و أنا صغير إلى الآن، ثانيا أنى لى أخ آخر فنحن توأم، و ختاما أسأل الله - عز و جل – أن يشفنى إذا كان الشفاء أخير لى من أن أكون مريضا، لما لا و المرض يكفر الذنوب. و أسأل الله أن يجعلى و إياكم من أهل الفردوس. آمين آمين آمين و صلى الله على نبينا محمد و على آله و أصحابه أجمعين.


الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ يحيي حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد،،،

فإن هذه الإفادة الممتازة والمفصلة عن التجارب أو الخبرات النفسية التي مررت بها يجعلنا في وضع جيد أن نصل إلى التشخيص وهذا هو سؤالك الأساسي، فكما ذكرت وتفضلت أن بعض الأطباء قد يحجم عن ذكر التشخيص خوفًا على المريض من الحرج، ولكن نعتقد أن هذا المنهج ليس هو المنهج الصحيح مع احترامي وتقديري للطبيب، فالمنهج الصحيح هو أن الناس من حقها أن تعرف ما هي عليه، وهذا حقيقة يجعل الإنسان أكثر تجاوبًا وأكثر انسجامًا مع علاجه.

الأوصاف التي وصفتها والتجارب التي مرت بك تسمى الوساوس القهرية، وحقيقة هذه الوساوس كانت عميقة ومكثفة خاصة ما أسميته بـ (الشاشة الواسعة) فمن شدة عمقها وكثافتها قد يعطي الانطباع أنك تعاني من حالة ذهانية، أي اضطراب عقلي، وأنا لا أعتقد أبدًا أنك كنت تعاني من اضطراب عقلي حقيقي، بل كانت وساوس قهرية شديدة، وساوس قهرية متسلطة، وأعطيت هذه الصورة التي نسميها بالصورة الإكلينيكية الشديدة.

هنالك حقيقة عرض ذكرته وهو مهم في نظرنا، وهو أنك حين كنت تحس بأنك ولي من أولياء الله وشيء من هذا القبيل، هذا ربما يعطي انطباعًا بأنك أيضًا قد حدثت لك نوبة من نوبات ما يسمى بمرض الهوس، هذه النوبة بفضل الله كانت نوبة قصيرة، والأدوية التي أعطاها لك الطبيب هي في مجملها أدوية تعطى لعلاج الوساوس القهرية، خاصة الفلوزاك والذي يعرف باسم (فلوكستين Fluoxetine) – وهذا مسماه العلمي – وكذلك أنفرانيل Anafranil والذي يعرف علميًا باسم (كلوربرومازين Chlorpromazine)، هي أدوية في الأصل مضادة للوساوس القهرية، أما الرزبريادون Risperidone فيعطى في حالات الأمراض الذهانية، ولكنه بجرعات صغيرة يُعطى أيضًا كداعم للأدوية المضادة للوساوس، أما الأكنتون فهو ليس علاجًا للحالة نفسها، إنما لمنع الآثار الجانبية التي قد تنتج من تناول الرزبريادون.

أنا أقول لك أن الأدوية التي تتناولها أدوية سليمة وأدوية صحيحة، والحمد لله أنت قد تحسنت لدرجة كبيرة، فعليك الالتزام التام بتناول الأدوية، ومراجعة الطبيب.

أما ما ذكرته حول الشاشة الواسعة فأقول لك: في نظري هي فكرة وسواسية متسلطة عليك، وليس أكثر من ذلك، فأرجو أن تتعامل معها على هذا الأساس، والعلاج الأساسي هو التجاهل، فيجب أن تتجاهل هذه الفكرة، يجب أن تحقرها، بمعنى أن تجري حوارًا مع نفسك وتقول (ما الذي يجعلني أفكر في مثل هذا؟ لا توجد شاشة واسعة) أي أنك ما تعتقد أنه حائل بينك وبين الصورة هذا حقيقة نوع من الوساوس وليس أكثر من ذلك، لأن بطبيعة الحال لا يوجد أي حائل بين الإنسان والصورة خاصة أن نظرك كامل وأنت في صحة جيدة، إذن إجراء حوار مع الذات مع تحقير الفكرة وعدم الاهتمام بها هو العلاج الأساسي لحالتك، ولا شك أن الأدوية ضرورية وهامة وعليك مواصلتها.

الأمر الآخر هو أن تصرف جهدك نحو الدراسة وأن تستثمر وقتك بصورة صحيحة وأن تضع لنفسك حقيقة أهدافًا مستقبلية، تسأل الله أن يوفقك في هذه الأهداف، وأن تصل إلى ما تصبو إليه وما تتمناه، وعليك أن تأخذ بالأسباب.

الذي أود أن أصل إليه هو أنه من المهم وأنت في هذا العمر بأن تكون لك آمال واقعية وأن تسعى لها، وأن لا تشغل نفسك أبدًا بالحالة المرضية، لا تعامل نفسك كإنسان معاق، فأنت لست بمعاق، ولكن في نفس الوقت من الضروري أن تأخذ الدواء، وأنا أعتقد أنك سوف تعيش حياة طيبة جدًّا - بإذن الله تعالى –
نسأل الله لك العافية والشفاء، ونشكرك كثيرًا على كلماتك الطيبة، ومفهومك الإيماني العميق حول المرض وأن الشافي هو الله وأن المرض هو ابتلاء وأنه مكفر للذنوب، فإن المؤمن حتى الشوكة يشاكها يثاب عليها وذلك بالصبر والاحتساب الأجر عند الله تعالى.

نسأل الله لك الشفاء والعافية، وأن يجعلك من أهل الفردوس الأعلى، وبالله التوفيق.

يرجى قراءة الاستشارات حول علاج وساوس العقيدة سلوكيا 244914 - 260030 - 263422 - 259593 - 260447 - 265121